وطني >

في الأمم المتحدة.. الجزائر تطرح معادلة جديدة لتنمية دول الجنوب

في الأمم المتحدة.. الجزائر تطرح معادلة جديدة لتنمية دول الجنوب


محمد مسلتي - الجزائر 

في لحظة دولية تتسع فيها الفجوة بين طموحات التنمية والقدرة الفعلية على تمويلها، أعادت الجزائر، من على منبر الأمم المتحدة في نيويورك، طرح سؤال التنمية من زاوية تتجاوز حدود الالتزام السياسي إلى شروط تحقيقه. ففي كلمته بمناسبة الحوار رفيع المستوى حول الذكرى الخامسة لمبادرة التنمية العالمية، لم يكتفِ وزير الدولة وزير الشؤون الخارجية والجالية الوطنية بالخارج والشؤون الإفريقية أحمد عطاف بتجديد دعم الجزائر للمبادرة، بل وضع أمام المجتمع الدولي مجموعة من المحددات التي يرى أن نجاح أجندة التنمية المستدامة يمر عبرها.

وتأتي هذه المقاربة في سياق دولي لا تبدو فيه أهداف أجندة 2030 على المسار الذي كان مأمولاً عند اعتمادها. فالدول النامية تواجه ضغوطاً متزايدة على مواردها المالية، فيما تتسع حاجتها إلى الاستثمار في البنية التحتية والطاقة والتحول الرقمي ورأس المال البشري. وفي هذا المشهد، يصبح السؤال أكثر تعقيداً من مجرد توفير المساعدات أو إطلاق مبادرات جديدة: كيف يمكن تحويل التعاون الدولي إلى قدرة حقيقية على الإنتاج والنمو وبناء اقتصادات أكثر قدرة على الاعتماد على إمكاناتها الوطنية؟

من هذه الزاوية، يمكن قراءة الموقف الجزائري باعتباره محاولة للانتقال من منطق التعهدات إلى منطق القدرات. فقد شدد عطاف على أن التعاون التنموي ينبغي أن يتركز في المجالات ذات الأثر التحويلي، محدداً الطاقة المتجددة والبنية التحتية والتحول الرقمي ونقل التكنولوجيا وتنمية رأس المال البشري كمساحات رئيسية للتعاون. وهي مجالات لا تنتج أثراً اقتصادياً فورياً فحسب، وإنما يمكن أن تؤسس، على المدى الطويل، لقدرات وطنية أكثر استدامة.

وتكتسب الإشارة إلى نقل التكنولوجيا أهمية خاصة في هذا السياق. فالفارق بين الاقتصادات لا يرتبط فقط بحجم الموارد المالية المتاحة، وإنما أيضاً بالقدرة على تحويل المعرفة إلى إنتاج، والتكنولوجيا إلى قيمة مضافة، والاستثمار إلى قطاعات قادرة على خلق فرص العمل. ولذلك فإن الشراكة التنموية، وفق المنظور الذي عكسته كلمة الجزائر، لا ينبغي أن تنتهي عند تمويل مشروع أو تشييد منشأة، بل يفترض أن تترك وراءها خبرة وكفاءات وقدرات إنتاجية يمكن للدول المستفيدة تطويرها وتوسيعها.

وهنا يلتقي البعد التنموي بالبعد المتصل بالسيادة الاقتصادية. فكلما امتلكت الدولة قدرة أكبر على تطوير مواردها البشرية والتكنولوجية، وتنويع اقتصادها، وإنتاج المعرفة، أصبحت أقل تعرضاً لتقلبات التمويل الخارجي وأكثر قدرة على تحديد أولوياتها التنموية وفق احتياجاتها الوطنية. ومن ثم، فإن الحديث عن التعاون الدولي لا يعني بالضرورة تبعية القرار التنموي للجهات المانحة، بل يمكن أن يتحول، إذا صُمم على أساس الشراكة ونقل المعرفة وبناء القدرات، إلى أداة لتعزيز الاستقلال الاقتصادي.

وفي الجانب الآخر من المعادلة، توقف الوزير الجزائري عند مسألة التمويل الميسّر والقابل للتنبؤ، إلى جانب معالجة مواطن الهشاشة المرتبطة بالديون. وهذه النقطة تكشف أحد أبرز التحديات التي تواجه الدول النامية: فالمشروعات الكبرى تحتاج إلى أفق مالي طويل، بينما تؤدي تكلفة التمويل المرتفعة وعدم استقرار الموارد إلى تقليص قدرة الحكومات على التخطيط والاستثمار المستدام.

ولذلك لم تطرح الجزائر التمويل باعتباره مسألة تقنية منفصلة عن التنمية، وإنما كجزء من البيئة الدولية التي يفترض أن تسمح للدول النامية بتحقيق أهدافها. فالمشكلة، في هذا التصور، لا تكمن دائماً في غياب المشاريع أو الخطط، وإنما في قدرة النظام المالي الدولي على توفير الظروف التي تجعل تنفيذ تلك الخطط ممكناً وقابلاً للاستمرار.

وتضع هذه الرؤية التعاون بين دول الجنوب في موقع مختلف أيضاً. فالجزائر، التي أكدت دعمها لمبادرة التنمية العالمية منذ انضمامها المبكر إلى مجموعة أصدقاء المبادرة، تنظر إلى التعاون جنوب-جنوب باعتباره مجالاً يمكن من خلاله تبادل التجارب والخبرات وتطوير حلول أكثر ارتباطاً بالواقع الاقتصادي والاجتماعي للدول النامية. وفي هذا الإطار، لا يعود الجنوب مجرد متلقٍ للمساعدة، وإنما يتحول إلى شريك يمتلك تجارب وموارد ومعارف يمكن أن تسهم في بناء نموذج تعاون أكثر توازناً.

وهذا البعد يفسر أيضاً تركيز الجزائر على مبدأ الملكية الوطنية للتنمية. فنجاح أي شراكة، وفق هذا المنظور، يبدأ من احترام أولويات الدولة المعنية واحتياجاتها، لا من فرض وصفة موحدة على اقتصادات تختلف في مواردها وتركيبتها الاجتماعية ومستوى تطورها. ولذلك ربطت الجزائر بين التضامن والتنمية الشاملة وبين قدرة كل دولة على تحديد مسارها التنموي والاستفادة من الشراكات الدولية بما يخدم أولوياتها.

وتتلاقى هذه الرؤية مع المسار الذي تحاول مبادرة التنمية العالمية ترسيخه منذ إطلاقها في الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2021. وتقول الصين إن المبادرة انتقلت خلال خمس سنوات من مقترح صيني إلى إطار للتعاون الدولي، مع تعبئة أكثر من 23 مليار دولار وتنفيذ أكثر من 2000 مشروع تعاون وفق أرقام أعلنتها بكين في سبتمبر 2026.

لكن أهمية المشاركة الجزائرية في هذا النقاش لا تكمن فقط في تأييد المبادرة، وإنما في المعايير التي وضعتها للحكم على فاعلية التعاون التنموي. فالجزائر لم تتحدث عن التعاون باعتباره غاية في حد ذاته، بل ربطته بنتائج ملموسة: تمويل يمكن الاعتماد عليه، تكنولوجيا يمكن الوصول إليها، خبرات يمكن نقلها، ومشروعات يمكن أن تتحول إلى قدرات اقتصادية دائمة.

ومن هنا جاءت العبارة الأكثر دلالة في كلمة عطاف: تحويل الالتزامات إلى شراكات، والشراكات إلى مشاريع، والمشاريع إلى تحسينات قابلة للقياس في حياة الشعوب. وهي صياغة تختصر جوهر الموقف الجزائري: القيمة الحقيقية لأي مبادرة دولية لا تقاس بعدد البيانات التي تصدر باسمها، وإنما بما تتركه على الأرض من بنية تحتية وقدرات بشرية وفرص اقتصادية وتحسن ملموس في حياة الناس.

وتبدو هذه المقاربة ذات صلة خاصة بالتحولات التي تشهدها الاقتصادات الإفريقية. فالقارة تحتاج إلى استثمارات ضخمة في الطاقة والنقل والرقمنة والتصنيع والتعليم والتكوين، بينما لا تزال العديد من دولها تواجه قيوداً مالية وتكنولوجية تحد من قدرتها على تحويل إمكاناتها الطبيعية والبشرية إلى قيمة اقتصادية مستدامة. ومن ثم، فإن نقل التكنولوجيا وبناء القدرات الإنتاجية يمكن أن يصبحا أحد المفاتيح الأساسية للانتقال من تصدير المواد الأولية إلى خلق اقتصادات أكثر تنوعاً وقدرة على المنافسة.

كما أن اختيار الجزائر لهذه المجالات يعكس، بصورة غير مباشرة، طبيعة التحولات التي يشهدها اقتصادها هي الأخرى، من تنويع النشاط الاقتصادي إلى تطوير الطاقات المتجددة وتوسيع الرقمنة وتعزيز رأس المال البشري. وقد عرضت الجزائر بالفعل، خلال منتدى الأمم المتحدة السياسي رفيع المستوى للتنمية المستدامة في نيويورك، تقريرها الوطني الطوعي الثاني، مع إبراز مسارات مرتبطة بتنويع الاقتصاد خارج المحروقات، والتحول الطاقوي، والخدمات الرقمية والحوكمة الإلكترونية، إلى جانب الأمن المائي وإدماج الشباب والنساء في التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

وفي الذكرى الخامسة لمبادرة التنمية العالمية، يبدو أن النقاش ينتقل تدريجياً من سؤال ماذا نريد أن نحقق بحلول 2030؟ إلى سؤال أكثر صعوبة: بأي موارد، وبأي أدوات، وبأي قدر من الاستقلالية يمكن للدول النامية أن تحقق ذلك؟

أخر الأخبار