محمد مسلتي - الجزائر
بعد عامين على استشهاد سماحة السيد حسن نصر الله، تبدو الصورة أبعد من مجرد غياب أمين عام لحزب سياسي أو قائد عسكري لمقاومة مسلحة. فالرجل الذي قاد حزب الله منذ عام 1992 لم يكن جزءاً من التحولات التي شهدها لبنان والمنطقة فحسب، بل كان أحد الذين صنعوا جانباً مهماً من معادلاتها، حتى أصبح اسمه، بالنسبة إلى بيئته المباشرة في لبنان وقطاعات من الرأي العام العربي والإسلامي، مرتبطاً بصورة المقاومة نفسها. ولذلك فإن استشهاده في 27 سبتمبر 2024 مثّل لحظة استراتيجية فاصلة، جاءت في ذروة مواجهة عسكرية وأمنية غير مسبوقة بالنسبة إلى الحزب، وبعد سلسلة من الضربات التي أصابت بنيته القيادية والعسكرية.
لم تكن المسألة، إذن، انتقالاً عادياً في القيادة. فقد جاءت خسارة نصر الله بعد أيام من تفجيرات أجهزة الاتصال، وبعد استهداف عدد من القادة العسكريين، ثم جاءت الضربة التي أودت به لتصيب مركز الثقل السياسي والمعنوي للتنظيم. وبعده بأيام قليلة، استشهد هاشم صفي الدين، الذي كان يُنظر إليه باعتباره أبرز المرشحين لخلافته، قبل أن يختار الحزب نعيم قاسم أميناً عاماً في 29 أكتوبر 2024.
ومن هنا بدأت واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ حزب الله. فترة من عدم الاستقرار والاهتزاز فرضتها خسارة عدد كبير من القيادات، والضغط العسكري، وتبدل البيئة السياسية اللبنانية، دفعت الحزب إلى إعادة ترتيب أوراقه تحت ظروف استثنائية. ولم يكن ذلك ترتيباً تنظيمياً فقط؛ كان إعادة بناء لسلسلة القيادة، وللخطاب السياسي، وللعلاقة مع البيئة الحاضنة، ولطريقة إدارة مرحلة لم يعد فيها الحزب يمتلك المساحة نفسها التي كانت متاحة له قبل سبتمبر 2024.
ومع ذلك، فإن استمرارية الحزب بعد تلك الضربة لا تعني أن شيئاً لم يتغير. فقد تمكن من إعادة تشكيل قيادته والحفاظ على حضوره التنظيمي والسياسي، لكنه انتقل إلى مرحلة مختلفة، أكثر تعقيداً، تحت ضغط عسكري وسياسي متواصل. وبعد وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024، تحولت المعركة تدريجياً من مواجهة ميدانية واسعة إلى صراع على مستقبل سلاح الحزب وموقعه داخل الدولة اللبنانية، قبل أن تدخل الساحة مجدداً في دورة حرب جديدة خلال 2026. وفي الذكرى الثانية، لا يزال ملف السلاح في قلب المواجهة السياسية، فيما يصر الحزب على استمرار المقاومة ويربط التخلي عن السلاح بانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية المحتلة.
لكن كل ذلك لا يفسر وحده لماذا بقي وجه حسن نصر الله حاضراً بهذه الكثافة بعد عامين من غيابه. ففي علم الاجتماع السياسي، لا تتحول شخصية القائد إلى رمز بمجرد وصولها إلى رأس التنظيم. الرمز يُبنى عبر الزمن، من خلال علاقة متبادلة بين القائد وجمهوره، وبين تجربته الشخصية والذاكرة الجماعية للبيئة التي ينتمي إليها. و السيد حسن نصر الله عاش داخل هذه العملية أكثر من ثلاثة عقود: حروب، انتصارات وانكسارات، خطابات، تشييع قادة، عائلات فقدت أبناءها، ومناطق أعيد بناؤها بعد الحروب. ولذلك أصبح حضوره متجاوزاً لوظيفته الرسمية.
في الضاحية الجنوبية لبيروت، وفي الجنوب والبقاع، وفي البيئات التي تشكل الحاضنة الاجتماعية الأساسية لحزب الله، لم يكن نصر الله مجرد صورة سياسية معلقة على الجدران. أصبح جزءاً من الذاكرة الجمعية لجيل كامل. وبعد استشهاده، لم تختف صورته؛ بل تحولت إلى واحدة من أدوات استحضار تلك الذاكرة، وهو ما ظهر بوضوح في مراسم إحياء ذكراه وفي استمرار حضوره البصري والرمزي داخل بيئته الاجتماعية
- وهنا ينبغي التمييز بين الرمزية التنظيمية والرمزية الأوسع
فالقول ان السيد نصر الله أصبح رمزاً لدى قطاعات من العرب والمسلمين لا يعني أن جميع العرب والمسلمين يتبنون خياراته أو خيارات حزب الله، ولا يلغي الانقسامات السياسية والمذهبية حول الحزب. لكن صورة الرجل، بالنسبة إلى من نظروا إلى الصراع من زاوية مقاومة الاحتلال والدفاع عن الأرض، تجاوزت في أحيان كثيرة حدود الحزب والطائفة. وهذا يفسر لماذا بقي اسمه حاضراً في فضاء عربي وإسلامي أوسع من بيئته اللبنانية المباشرة.
ومن هنا أيضاً تأتي ضرورة عدم اختزال الرجل في كونه «شيعياً» أو اختزال مؤيديه ومعارضيه في هويات مذهبية. فمثل هذا الاختزال يحوّل دراسة ظاهرة سياسية وجيوسياسية معقدة إلى تصنيف طائفي بسيط. حسن نصر الله كان قائداً لحزب ذي هوية مذهبية واضحة، وهذه حقيقة سياسية لا يمكن تجاهلها، لكنه كان في الوقت نفسه فاعلاً في صراع إقليمي واسع، وكان خطابه موجهاً إلى جمهور يتجاوز حدود الطائفة والدولة.
لهذا فإن استشهاده لم يكن مجرد فقدان رجل بالنسبة إلى حزبه؛ كان اختباراً للعلاقة بين الفكرة والشخص، وبين التنظيم والرمز.
وهنا ربما تكمن المفارقة الأهم في تجربة الرجل: المقاومة لا يمكن أن تكون شخصاً واحداً، لكن بعض الأشخاص يستطيعون، عبر سنوات طويلة، أن يصبحوا جزءاً من صورتها وذاكرتها و وعي جمهورها.
في هذا المشهد، يبقى سماحة السيد حسن نصر الله حاضراً، ليس باعتباره قائداً يمكن استنساخه، وإنما باعتباره مرجعاً رمزياً يصعب على خلفائه أن يرثوا كامل حضوره.
لقد استطاع حزب الله، بعد فترة من الاضطراب والاهتزاز، أن يعيد ترتيب أوراقه وأن يحافظ على بنيته السياسية والتنظيمية، رغم ثقل الخسارة وتراكم الضربات. لكن استمرارية التنظيم شيء، واستعادة شخصية القائد التاريخية شيء آخر. فالقائد يمكن أن يُستبدل في الهيكل التنظيمي، أما الرمز فلا يُستبدل بقرار إداري.
وبعد عامين، ربما يكون هذا هو الأثر الأوضح لاستشهاد السيد حسن نصر الله: لم يعد السؤال متعلقاً بمن يخلفه في موقع الأمين العام، فقد تم اختيار قيادة جديدة للحزب، وإنما بما إذا كان الحزب قادراً على إنتاج مرحلة جديدة من دون أن يبقى أسير المرحلة التي صنعها الرجل طوال أكثر من ثلاثة عقود.
ذلك هو الاختبار الحقيقي الذي تركه غياب نصر الله خلفه؛ ليس فقط لحزب الله، وإنما لكل تنظيم تتحول فيه شخصية القائد، مع مرور الزمن، من وظيفة سياسية إلى جزء من الذاكرة الجماعية.