وطني >

من الصناعة العسكرية إلى الميكانيكية.. كيف تحول الجيش إلى رافعة للإنتاج الوطني؟

من الصناعة العسكرية إلى الميكانيكية.. كيف تحول الجيش إلى رافعة للإنتاج الوطني؟


لم يكن وصف رئيس الجمهورية د، السيد عبد المجيد تبون، للجيش الوطني الشعبي بـ"قاطرة الصناعة الميكانيكية في البلاد" خلال افتتاح الطبعة السابعة والخمسين لمعرض الجزائر الدولي مجرد إشادة عابرة بمؤسسة وطنية، بل حمل في طياته اعترافا رسميا بمسار طويل من البناء الصناعي والتكنولوجي الذي قادته المؤسسة العسكرية على مدار عقود، وتحول تدريجيا من مشروع يهدف إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي في بعض الاحتياجات الدفاعية إلى تجربة صناعية متكاملة تساهم اليوم في دعم الاقتصاد الوطني وتعزيز القدرات الإنتاجية للبلاد.

ففي عالم أصبحت فيه القوة الاقتصادية والصناعية جزءا لا يتجزأ من مفهوم الأمن القومي، لم يعد دور الجيوش الحديثة يقتصر على حماية الحدود والدفاع عن السيادة الوطنية، بل أصبح يمتد إلى بناء القدرات التكنولوجية والصناعية للدول. ومن هذا المنطلق، عملت الجزائر منذ سنوات على تطوير قاعدة صناعية عسكرية وطنية قادرة على تلبية جزء معتبر من احتياجات الجيش الوطني الشعبي، مع تحويل هذه القدرات تدريجيا إلى رافعة للتنمية الصناعية والاقتصادية.

من ورشات الدعم التقني إلى قاعدة صناعية متكاملة

بدأت الصناعات العسكرية الجزائرية في مراحلها الأولى من خلال منشآت متخصصة في الصيانة والإصلاح والدعم اللوجستي للمعدات العسكرية، غير أن الرؤية الاستراتيجية التي تبنتها الدولة الجزائرية دفعت نحو الانتقال التدريجي من مرحلة الصيانة إلى مرحلة التصنيع والإنتاج.

وخلال العقود الأخيرة، شهدت مديرية الصناعات العسكرية توسعا ملحوظا في مجالات نشاطها، حيث لم تعد تقتصر على إنتاج بعض التجهيزات البسيطة، بل أصبحت تضم شبكة من المؤسسات الصناعية المتخصصة في الصناعات الميكانيكية والذخائر والمتفجرات والإلكترونيات ووسائل النقل والمعدات التقنية المختلفة.

وقد ساهم هذا التوجه في بناء خبرة وطنية متراكمة، مكنت الجزائر من تقليص جزء معتبر من تبعيتها الخارجية في بعض المجالات المرتبطة بالتجهيزات العسكرية والدعم اللوجستي، كما سمحت بتكوين أجيال من المهندسين والتقنيين والعمال المؤهلين الذين أصبحوا يشكلون أحد أهم مكاسب هذه التجربة.

خنشلة.. أحد رموز الصناعة العسكرية الجزائرية

تعد مؤسسة البناءات الميكانيكية بخنشلة من أبرز النماذج التي تعكس تطور الصناعة العسكرية الوطنية. فقد ارتبط اسمها لسنوات بإنتاج وصيانة الأسلحة الفردية والعتاد العسكري، وأصبحت أحد المراكز الصناعية المهمة التي ساهمت في تطوير القدرات الوطنية في مجال الصناعات الدفاعية.

وشكلت هذه المؤسسة، إلى جانب مؤسسات أخرى تابعة لمديرية الصناعات العسكرية، لبنة أساسية في مسار بناء صناعة وطنية تعتمد على الكفاءات الجزائرية وتستفيد من الشراكات التكنولوجية الدولية لنقل المعرفة والخبرة.

ولم يكن الهدف من هذه المشاريع مجرد توفير احتياجات المؤسسة العسكرية، بل خلق نواة صناعية قادرة على التطور والاندماج ضمن النسيج الاقتصادي الوطني، وهو ما تحقق تدريجيا مع توسع النشاط الصناعي وتنوع المنتجات المصنعة محليا.

عندما دخل الجيش عالم الصناعة الميكانيكية

إذا كانت الصناعات العسكرية التقليدية قد شكلت نقطة الانطلاق، فإن التحول الأبرز تمثل في دخول المؤسسة العسكرية بقوة إلى مجال الصناعات الميكانيكية.

فمع إطلاق مشاريع صناعية كبرى بالشراكة مع مؤسسات عالمية، بدأت الجزائر في بناء قاعدة إنتاج ميكانيكية حديثة تستهدف تصنيع المركبات والعربات ومختلف وسائل النقل الموجهة أساسا لتلبية احتياجات الجيش الوطني الشعبي، قبل أن تتوسع لاحقا نحو قطاعات أخرى.

ويعتبر مصنع المركبات بتيارت أحد أبرز النماذج في هذا المجال، حيث شهد إنتاج مركبات "مرسيدس-بنز" متعددة الاستخدامات والموجهة لمختلف الاحتياجات العسكرية واللوجستية. وقد مثل هذا المشروع خطوة مهمة في نقل التكنولوجيا وتكوين الموارد البشرية الجزائرية في مجال الصناعات الميكانيكية الدقيقة.

كما ساهمت المشاريع الصناعية المرتبطة بالمركبات والشاحنات والعربات الخاصة في تطوير شبكة واسعة من المناولين والموردين المحليين، ما أدى إلى خلق ديناميكية اقتصادية تجاوزت حدود المؤسسة العسكرية لتشمل العديد من المتعاملين الاقتصاديين الوطنيين.

صناعة تتجاوز الاحتياجات العسكرية

ما يميز التجربة الجزائرية في هذا المجال هو أن الصناعات العسكرية لم تبق محصورة داخل الدائرة الدفاعية الضيقة، بل تحولت تدريجيا إلى عامل دعم للاقتصاد الوطني.

فالمؤسسات الصناعية التابعة للجيش الوطني الشعبي لم تساهم فقط في توفير المعدات والوسائل اللوجستية للقوات المسلحة، وإنما ساهمت كذلك في ترسيخ ثقافة الإنتاج والتصنيع ونقل التكنولوجيا، فضلا عن توفير مناصب شغل مباشرة وغير مباشرة لآلاف العمال والمهندسين والتقنيين.

كما لعبت هذه المؤسسات دورا مهما في تشجيع الإدماج الصناعي المحلي، من خلال إشراك المؤسسات الوطنية العمومية والخاصة في عمليات المناولة والتوريد، وهو ما ساعد على رفع نسبة المكونات المصنعة محليا وتقليص الاعتماد على الاستيراد.

ويأتي هذا التوجه في انسجام مع السياسة الاقتصادية الجديدة للدولة الجزائرية التي تراهن على تطوير الإنتاج الوطني وتعزيز القيمة المضافة المحلية وتوسيع قاعدة الصناعات التحويلية والميكانيكية.

من بين أهم المكاسب التي حققتها الصناعة العسكرية الجزائرية مساهمتها في تكوين رأس مال بشري عالي التأهيل.

فالمشاريع الصناعية الكبرى التي أطلقتها المؤسسة العسكرية خلال السنوات الماضية لم تقتصر على اقتناء خطوط إنتاج أو تجهيزات حديثة، بل تضمنت برامج واسعة لنقل التكنولوجيا وتكوين المهندسين والتقنيين الجزائريين.

وقد سمح ذلك بظهور كفاءات وطنية تمتلك خبرة متقدمة في مجالات الميكانيك والإلكترونيات والتصنيع الصناعي وإدارة المشاريع، وهي خبرات أصبحت اليوم تشكل رصيدا استراتيجيا يمكن الاعتماد عليه في مختلف القطاعات الاقتصادية.

كما ساهمت هذه الخبرات في تعزيز قدرات المؤسسات الوطنية على الاندماج في سلاسل الإنتاج الحديثة ومواكبة التطورات التكنولوجية العالمية.

من الصناعة العسكرية إلى مشروع صناعي وطني

إن المتتبع لمسار الصناعات العسكرية الجزائرية يدرك أن نجاحها لا يقاس فقط بعدد المصانع أو حجم الإنتاج، وإنما بقدرتها على التحول إلى أداة لدعم التنمية الاقتصادية ونقل التكنولوجيا وبناء الكفاءات.

واليوم، ومع حديث رئيس الجمهورية عن ضرورة تطوير الصناعة الميكانيكية الوطنية ورفع نسب الإدماج المحلي وتشجيع المؤسسات الناشئة والمناولة الصناعية، تبدو التجربة التي راكمها الجيش الوطني الشعبي واحدة من أهم النماذج التي يمكن البناء عليها لتحقيق هذا الهدف.

فالصناعة العسكرية الجزائرية لم تعد مجرد وسيلة لتلبية الاحتياجات الدفاعية، بل أصبحت مدرسة حقيقية للإنتاج والتكوين والابتكار، ورافعة اقتصادية وصناعية تساهم في بناء جزائر أكثر قدرة على الاعتماد على إمكاناتها الذاتية وأكثر استعدادا لمواجهة تحديات المستقبل.

ومن هنا تكتسب عبارة رئيس الجمهورية بأن الجيش الوطني الشعبي هو "قاطرة الصناعة الميكانيكية في البلاد" معناها الكامل، باعتبارها توصيفا لمسار طويل من العمل والاستثمار والتطوير، جعل من المؤسسة العسكرية أحد أبرز الفاعلين في مسيرة التصنيع الوطني وبناء الاقتصاد المنتج.

محمد.م

أخر الأخبار