يعود جهاز استخبارات المغرب إلى واجهة قضية «بيغاسوس»، بعدما كشف اليوم تحقيق فرنسي أدلة ووثائق وشهادات جديدة حول استخدام المخزن لبرنامج التجسس الإسرائيلي الصنع لاستهداف شخصيات سياسية وصحفية، من بينها مسؤولون فرنسيون كبار.
هذه المعطيات الجديدة تأتي امتدادًا لملف تفجر سنة 2021، عندما كشفت تحقيقات دولية عن وجود أرقام مسؤولين اوروبيين، اغلبهم فرنسيين، ضمن قوائم استهداف للإستخبارات المغربية عبر برنامج «بيغاسوس».
على رأس قائمة المستهدفين، الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيس الحكومة السابق إدوار فيليب، وعدد من الوزراء والمسؤولين السياسيين، من بينهم فلورانس بارلي، جان ميشال بلانكي، وسيباستيان لوكورنو، إضافة إلى شخصيات سياسية أوروبية أخرى.
وقد أثارت القضية آنذاك أزمة سياسية وأمنية في فرنسا، بعدما خضعت هواتف عدد من المسؤولين لفحوصات تقنية من طرف الجهات المختصة، وفتحت العدالة الفرنسية تحقيقات للكشف عن ملابسات هذه العمليات وتحديد الجهات المسؤولة عنها.
واليوم، يعيد التحقيق الجديد القضية إلى الواجهة من خلال شهادات مصادر داخل المنظومة الأمنية المغربية، ووثائق وتحليلات تقنية، ليطرح من جديد أسئلة كبرى عن مدى إلتزام المغرب بالقوانين و الاعراف الدولية، خاصة انه إستهدف دول يصفها نظام المخزن «بالصديقة».
- «بيغاسوس»... عندما يتحول الهاتف إلى ساحة صراع استخباراتي
في عالم أصبحت فيه الهواتف الذكية خزائن مفتوحة للأسرار الشخصية والسياسية، ظهر برنامج «بيغاسوس» كواحد من أخطر أدوات المراقبة الرقمية التي عرفها العصر الحديث.
فمنذ ظهور البرنامج الذي طورته شركة NSO Group الإسرائيلية، اشارت تقارير دولية عديدة إلى استخدامه في عمليات مراقبة و جوسسة طالت صحفيين ومدافعين عن حقوق الإنسان وشخصيات سياسية داخل و خارج المغرب. وقد كشفت التحقيقات المرتبطة بهذا الملف عن وجود أرقام شخصيات غربية و عربية بارزة ضمن قوائم الإستهداف المغربية.
وتكمن خطورة هذا البرنامج في قدرته على اختراق الهاتف دون الحاجة إلى تفاعل واضح من المستخدم، ما يسمح بالوصول إلى محتويات الجهاز، بما فيها الرسائل والصور والمكالمات والملفات، وفق ما أوردته التحقيقات التقنية المرتبطة بالبرنامج.
- من هاتف وزير فرنسي إلى بداية الخيوط التقنية
من بين العناصر التي ركز عليها التحقيق الجديد، قضية فحص هاتف مسؤول حكومي فرنسي سابق. فقد خضع هاتف وزير الأقاليم الفرنسية ما وراء البحار آنذاك، سيباستيان لوكورنو، لفحص تقني داخل الوكالة الوطنية الفرنسية لأمن نظم المعلومات ANSSI، بعد الاشتباه في احتمال تعرضه للاستهداف بواسطة برنامج «بيغاسوس».
وبحسب التحقيق، خلصت الفحوصات إلى وجود مؤشرات تقنية قالت الجهات المختصة إنها تتوافق مع آثار مرتبطة ببرنامج التجسس، وهو ما دفع الأجهزة الفرنسية إلى مواصلة البحث ضمن إطار التحقيقات المفتوحة.
كما أشار التحقيق إلى أن خبراء الأمن السيبراني الفرنسيين وجدوا مؤشرات مشابهة لتلك التي سبق رصدها في هواتف شخصيات أخرى خضعت للفحص من طرف خبراء دوليين.
- شهادة من داخل المنظومة الأمنية المغربية...
ويستند التحقيق، في أحد أهم محاوره، إلى شهادة مسؤول أمني مغربي سابق، عمل لسنوات داخل المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني (DGST)، جهاز الاستخبارات الداخلية المغربية. وقد كشف هذا المسؤول، استنادا الى تجربته المهنية داخل الجهاز، بالتفصيل عن اليات عمل اجهزة المراقبة واستخدام تقنيات التتجسس الرقمي.
و تحدث هذا المصدر عن مرحلة إدخال برنامج «بيغاسوس» إلى منظومة العمل الاستخباراتي، معتبرًا أن البرنامج شكل تحولًا كبيرًا في أساليب جمع المعلومات، بعدما أصبح يسمح بالوصول إلى بيانات واسعة داخل الهواتف المستهدفة.
وتكمل اهمية هذه الشهادة في انها صادرة عن مسؤول من داخل جهاز الاستخبارات المغربية وهو ما يمنحها قيمة استثنائية في تتبع كيفية ادارة عمليات الجوسسة و ايضا للمساهمة في توثيق حجم عملية التجسس التي يسعى التحقيق الى كشف ابعادها.
- «بيغاسوس»... من المراقبة التقليدية إلى صناعة الملفات الرقمية
أحد الجوانب التي ركز عليها التحقيق هو الانتقال الذي أحدثته التكنولوجيا الحديثة في عالم الاستخبارات. ففي السابق، كانت عمليات المراقبة تعتمد غالبًا على وسائل تقليدية: المتابعة الميدانية، التنصت، مراقبة الاتصالات، أو جمع المعلومات عبر المصادر البشرية.
أما مع ظهور أدوات مثل «بيغاسوس»، فقد أصبحت الهواتف الذكية نفسها نقطة وصول إلى عالم كامل من المعلومات: المراسلات، الصور، جهات الاتصال، الملفات، وحتى البيانات الشخصية الحساسة.
فخطورة هذه الأدوات لا تكمن فقط في قدرتها التقنية، وإنما في إمكانية استخدامها خارج الأهداف الأمنية التقليدية، لتصبح وسيلة لمراقبة الصحفيين أو المعارضين أو الشخصيات السياسية.
وهنا يبرز السؤال المركزي الذي يرافق قضية «بيغاسوس» منذ ظهورها: أين ينتهي الحق المشروع للدول في حماية أمنها؟ وأين يبدأ خطر تحويل التكنولوجيا الأمنية إلى أداة ضغط و ابتزاز سياسي؟
ملف بيغاسوس لم يكن بالنسبة للسلطات الفرنسية مجرد قضية إعلامية، إذ يشير التحقيق إلى أن أجهزة الاستخبارات الفرنسية تابعت القضية باهتمام، وأن تقارير داخلية تناولت تأكيد استخدام المغرب و دول أخرى لمنتجات شركة NSO.
فقد أشار، جهاز الاستخبارات الخارجية الفرنسي DGSE، في وثيقة داخلية مؤرخة سنة 2022 إلى أن المغرب والإمارات العربية المتحدة استخدما – حسب تقييم الجهاز – منتجات مرتبطة بشركة NSO منذ عام 2017.
فمنذ ظهور قضية «بيغاسوس» عام 2021، فتحت العدالة الفرنسية تحقيقات حول عمليات الاستهداف التي طالت مسؤولين وصحفيين وشخصيات عامة.
وحسب التحقيق، تمكن الخبراء من رصد آثار تقنية مرتبطة بالبرنامج في هواتف عدد من المسؤولين الفرنسيين السابقين والحاليين. كما أشار التحقيق إلى وجود صعوبات واجهت المسار القضائي، خاصة فيما يتعلق بالتعاون مع بعض الجهات الأجنبية للحصول على معلومات إضافية أو تنفيذ إجراءات تحقيق خارج فرنسا.
- «بيغاسوس» بين الأمن والدبلوماسية...
لم تبق قضية «بيغاسوس» مجرد ملف أمني أو قضائي، بل تحولت إلى أحد أكثر الملفات تأثيرًا في مسار العلاقات الفرنسية المغربية. فبينما كانت التحقيقات الفرنسية تتقدم لكشف ملابسات استهداف مسؤولين وصحفيين فرنسيين، شهدت العلاقات بين باريس والرباط مرحلة من التوتر الدبلوماسي غير المسبوق، قبل أن تعود، فجأة، إلى مسار التقارب.
ويشير تحقيق إلى أن هذا التقارب افضى في أكتوبر/تشرين الأول 2024 بإعلان الرئيس الفرنسي دعم الطرح المغربي في ملف الصحراء الغربية، في تحول اعتبره مراقبون أحد أبرز المنعطفات في السياسة الخارجية الفرنسية تجاه هذا الملف.
غير أن هذا التحول أثار تساؤلات وانتقادات داخل فرنسا، خاصة لدى بعض الشخصيات التي شملتها قضية «بيغاسوس»، والتي رأت أن التقارب السياسي جاء في وقت كانت فيه التحقيقات القضائية المتعلقة بعمليات التجسس لا تزال مفتوحة.
ويورد التحقيق في هذا السياق تصريحات للمحامي الفرنسي جوزيف بريهام، أحد الأشخاص الذين قالت التحقيقات إنهم كانوا ضمن أهداف برنامج «بيغاسوس»، حيث عبّر عن استغرابه من أن تتجه باريس إلى تعزيز علاقاتها مع الرباط، رغم استمرار التحقيقات في واحدة من أخطر قضايا التجسس الإلكتروني التي مست مسؤولين وشخصيات فرنسية.
محمد م.
---
هذه الصياغة لا تكتفي بوصف التقارب، بل تشرح المفارقة السياسية التي ركز عليها التحقيق الفرنسي نفسه: استمرار التقارب الدبلوماسي في الوقت الذي كانت فيه التحقيقات القضائية مستمرة. وهذا يعطي الفقرة مضمونًا وتحليلًا، بدل أن تكون مجرد سرد للأحداث.