دولي >

المغرب بين وهم الإنجازات وحقائق الاقتصاد

المغرب بين وهم الإنجازات وحقائق الاقتصاد


رغم الخطاب الرسمي الذي يروج للمغرب باعتباره نموذجاً للاستقرار والتنمية في المنطقة، تكشف المؤشرات الاقتصادية والمالية الصادرة عن المؤسسات المغربية نفسها واقعاً أكثر تعقيداً، يتميز بتحديات متزايدة وضغوط متنامية على الاقتصاد الوطني، وسط تزايد التساؤلات حول جدوى السياسات الاقتصادية وأولويات الإنفاق العمومي.

وفي أحدث المؤشرات الدالة على هذه الصعوبات، سجل عجز السيولة البنكية بالمغرب ارتفاعاً إلى 156.6 مليار درهم خلال الفترة الممتدة من 11 إلى 18 يونيو، وفق معطيات مركز الأبحاث "بي إم سي إي كابيتال غلوبال ريسيرش"، ما دفع بنك المغرب إلى مواصلة التدخل في السوق النقدية عبر ضخ المزيد من السيولة للحفاظ على التوازن المالي ودعم القطاع البنكي.

لا يمكن النظر إلى هذا الارتفاع المستمر في عجز السيولة باعتباره مجرد مؤشر مالي تقني، بل يعكس في جوهره الضغوط التي يواجهها الاقتصاد المغربي في توفير التمويل اللازم للنشاط الاقتصادي والاستثماري.

فالدولة التي تسوق نفسها باعتبارها قوة اقتصادية صاعدة تجد نفسها مضطرة إلى زيادة تدخلاتها في السوق النقدية للحفاظ على استقرار النظام المالي، وهو ما يكشف وجود اختلالات هيكلية تتجاوز الخطاب الرسمي المتفائل الذي يطغى على وسائل الإعلام الموالية للسلطة.

ويأتي ذلك في وقت تواجه فيه المملكة تحديات مرتبطة بارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية واستمرار الفوارق الاجتماعية بين المناطق الحضرية والقروية، وهي ملفات لا تحظى بالاهتمام نفسه الذي تحظى به المشاريع الكبرى والحملات الترويجية الرسمية.

في الوقت الذي تتحدث فيه السلطات المغربية عن نجاحات اقتصادية متواصلة، يعيش قطاع واسع من المواطنين واقعاً مختلفاً يتمثل في ارتفاع تكاليف المعيشة وتزايد الضغوط الاجتماعية.

فبالنسبة للمواطن البسيط، لا تقاس التنمية بحجم المنشآت الضخمة أو بعدد المؤتمرات الدولية التي تستضيفها البلاد، وإنما بقدرته على الحصول على وظيفة مستقرة وتأمين العلاج والتعليم والسكن الكريم لأسرته.

ومن هنا تبرز الفجوة بين الصورة التي تحاول المؤسسات الرسمية تقديمها عن المغرب وبين الواقع الذي تعكسه يوميات المواطنين، خاصة في المناطق التي لا تزال تعاني من الهشاشة وضعف الخدمات الأساسية.

خصص المغرب خلال السنوات الأخيرة استثمارات ضخمة لتشييد وتحديث الملاعب والبنى التحتية المرتبطة باستضافة كأس أمم إفريقيا وكأس العالم 2030، وهي مشاريع تقدمها الحكومة باعتبارها رافعة للتنمية الاقتصادية وجذب الاستثمارات.

غير أن هذه الخيارات أثارت جدلاً واسعاً داخل الأوساط السياسية والاجتماعية، حيث يرى منتقدون أن الأولوية كان ينبغي أن تمنح لقطاعات أكثر ارتباطاً بالحاجات المباشرة للمواطنين، وفي مقدمتها الصحة والتعليم والتشغيل والتنمية المحلية.

ويطرح هؤلاء تساؤلات مشروعة حول مدى انسجام هذه النفقات الضخمة مع واقع اقتصادي واجتماعي يشهد تزايد المطالب الشعبية بتحسين الخدمات الأساسية والرفع من مستوى المعيشة.

فبينما تتجه مليارات الدراهم نحو مشاريع رياضية عملاقة، ما تزال قطاعات حيوية تعاني من نقص الإمكانيات والموارد، الأمر الذي يجعل النقاش حول أولويات الإنفاق العمومي أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.

الدعاية والواقع

يعتمد المخزن منذ سنوات على استراتيجية إعلامية تقوم على إبراز المشاريع الكبرى والمؤشرات الإيجابية وتقديمها كدليل على نجاح النموذج التنموي المغربي.

غير أن الأرقام الصادرة عن المؤسسات الوطنية والدولية ترسم صورة أكثر تعقيداً، حيث تستمر البطالة في التأثير على فئات واسعة من الشباب، فيما تواجه العديد من الأسر صعوبات متزايدة نتيجة ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية.

ومهما بلغت قوة الخطاب الإعلامي، فإنها تبقى عاجزة عن تجاوز الحقائق التي يواجهها المواطن يومياً عند البحث عن فرصة عمل أو مواجهة أعباء الحياة المتزايدة.

فالنجاح الاقتصادي الحقيقي لا يقاس بحجم الحملات الدعائية أو بالمشاريع الموجهة لتحسين الصورة الخارجية للدولة، بل بمدى انعكاسه على حياة المواطنين وتحسين ظروفهم المعيشية.

اختلاف الأولويات

عند مقارنة السياسات الاجتماعية في المنطقة المغاربية، تظهر اختلافات واضحة في طبيعة تدخل الدولة لحماية القدرة الشرائية للمواطنين.

ففي الجزائر، ورغم التحديات الاقتصادية القائمة، ما تزال الدولة تعتمد منظومة دعم واسعة تشمل الطاقة والمواد الأساسية والسكن والتعليم والصحة، وهو ما يخفف نسبياً من الأعباء المعيشية على المواطنين.

أما في المغرب، فقد أصبحت القدرة الشرائية إحدى أبرز القضايا المطروحة للنقاش العام، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتزايد الضغوط الاجتماعية، وهو ما يدفع العديد من المراقبين إلى التساؤل حول مدى نجاح السياسات الاقتصادية في تحقيق التوازن بين متطلبات الاستثمار واحتياجات المواطنين اليومية.

تكشف أزمة السيولة البنكية، إلى جانب المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية الأخرى، عن إشكالية أعمق تتعلق باتساع الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع المعيش.

فكلما ازداد التباين بين ما تعلنه السلطات وما يلمسه المواطن على الأرض، تراجعت قدرة الرواية الرسمية على الإقناع، وازدادت التساؤلات حول حقيقة الوضع الاقتصادي والاجتماعي داخل المملكة.

وفي النهاية، لا تُقاس قوة الدول بعدد الملاعب التي تبنيها أو بحجم الحملات الإعلامية التي تطلقها، وإنما بقدرتها على توفير فرص العمل وتحسين الخدمات الأساسية وتعزيز العدالة الاجتماعية وضمان حياة كريمة لمواطنيها.

وهي المعايير التي ستظل المقياس الحقيقي لأي تجربة تنموية، بعيداً عن الدعاية والشعارات والصور التي قد تنجح مؤقتاً في إخفاء الواقع، لكنها لا تستطيع تغييره.هذه الصيغة أقرب إلى أسلوب المقالات التحليلية المنشورة في الصحافة السياسية العربية والدولية، وتجمع بين النقد الحاد واللغة المهنية التي يصعب الطعن فيها من الناحية الصحفية.

محمد م.

أخر الأخبار