دولي >

هرمز مقابل العقوبات: ماذا ربحت إيران من اتفاق أنهى الحرب وأربك حسابات المنطقة؟

هرمز مقابل العقوبات: ماذا ربحت إيران من اتفاق أنهى الحرب وأربك حسابات المنطقة؟


محمد مسلتي

لم تنته الحرب على إيران كما بدأت. فبعد أشهر من الضربات العسكرية المتبادلة، والتصعيد الذي امتد من الخليج إلى المشرق، والقلق الذي خيّم على أسواق الطاقة العالمية، لا يبدو أن الشرق الأوسط يقف أمام مشهد هزيمة إيرانية كما توقع كثيرون في بداية المواجهة. فالدولة التي وُضعت تحت أقسى ضغط عسكري واقتصادي منذ سنوات تتجه اليوم إلى توقيع اتفاق مع الولايات المتحدة، يتضمن ترتيبات تتعلق بمضيق هرمز و رفع العقوبات والأمن الإقليمي. وبغض النظر عن تفاصيل الاتفاق، فإن النتيجة السياسية الأبرز تبدو واضحة: الحرب انتهت بالتفاوض مع إيران، لا بتجاوزها.

فعندما اندلعت المواجهة، كان الرهان السائد في العديد من الدوائر الغربية يقوم على أن الجمع بين القوة العسكرية والعقوبات الاقتصادية سيؤدي في نهاية المطاف إلى تقليص هامش المناورة الإيراني وإجبار طهران على تقديم تنازلات استراتيجية واسعة. لكن الأشهر الماضية أظهرت أن امتلاك التفوق العسكري لا يعني بالضرورة القدرة على فرض نتائج سياسية نهائية، وأن كسر الدول يختلف كثيراً عن استهداف بنيتها العسكرية أو الاقتصادية.

صحيح أن إيران دفعت ثمناً باهظاً خلال الحرب. فقد تعرضت منشآت ومواقع حيوية لضربات قاسية، وتحملت أعباء اقتصادية إضافية فوق سنوات طويلة من العقوبات والحصار. غير أن الدولة الإيرانية لم تنهَر، ولم تفقد قدرتها على إدارة الصراع، كما لم تصل إلى مرحلة تسمح لخصومها بفرض شروط الاستسلام السياسي عليها. والأهم من ذلك أن الحرب انتهت بينما ما تزال طهران تحتفظ بأبرز أوراقها الاستراتيجية، بل وتدخل مرحلة التفاوض من موقع الطرف الذي يملك ما يقدمه وما يطالب به في آن واحد.

وتشير المعطيات المتداولة حول الاتفاق إلى ترتيبات تشمل إنهاء الحرب ووقف الأعمال العسكرية على مختلف الجبهات، وإعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة التجارية الدولية، ورفع القيود المفروضة على الحركة البحرية الإيرانية، إلى جانب خطوات مرتبطة بتخفيف الضغوط الاقتصادية المفروضة على طهران. وإذا كانت هذه البنود تمثل الجانب الظاهر من التسوية، فإن ما هو أكثر أهمية يتمثل في الرسائل السياسية الكامنة خلفها.

فإعادة فتح مضيق هرمز لا تعني فقط عودة الملاحة إلى طبيعتها في واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، بل تعني أيضاً اعترافاً عملياً بحقيقة جيوسياسية لطالما شكلت مصدر قوة لإيران. فالدولة المطلة على هذا الشريان الحيوي للتجارة العالمية والطاقة لا يمكن تجاوزها عندما يتعلق الأمر بأمن الخليج واستقرار أسواق النفط. وخلال أشهر الحرب أثبتت التطورات أن أي اضطراب في المضيق لا ينعكس على إيران أو دول المنطقة فقط، بل يمتد أثره إلى الاقتصاد العالمي بأكمله.

ولعل اللافت في الخطاب الإيراني الأخير أن الحديث عن هرمز لم يعد يُقدَّم من زاوية التهديد أو التصعيد، بل من زاوية الأمن والاستقرار. فقد أكد وزير الخارجية الإيراني أن بلاده تسعى إلى ضمان عبور آمن للسفن عبر المضيق، مع احترام سيادة إيران ومكانتها الاستراتيجية المرتبطة بهذا الممر البحري الحيوي. وبين الخطابين مسافة كبيرة؛ إذ تنتقل طهران من مرحلة استخدام المضيق كورقة ردع خلال الحرب إلى مرحلة تقديمه باعتباره أحد مرتكزات الاستقرار الإقليمي بعد الحرب.

غير أن البعد الأكثر إثارة للاهتمام في الاتفاق لا يتعلق بهرمز أو العقوبات فقط، بل بالطريقة التي تستعد بها إيران للدخول إلى مرحلة ما بعد الحرب. فبحسب ما أعلنته طهران، لن يتوجه الوفد الإيراني مباشرة إلى سويسرا لتوقيع الاتفاق، بل سيقوم أولاً بجولة على عدد من دول الجوار لشرح بنوده ومناقشة تداعياته الإقليمية.

في الظاهر تبدو هذه الخطوة إجراءً دبلوماسياً اعتيادياً، لكنها في الواقع تحمل أبعاداً سياسية واستراتيجية أعمق. فالحرب الأخيرة لم تكن مواجهة ثنائية بين واشنطن وطهران فحسب، بل جرت على مسرح إقليمي واسع شاركت فيه بصورة مباشرة أو غير مباشرة أطراف عديدة. كما أن بعض الدول التي تستضيف قواعد عسكرية أمريكية وجدت نفسها جزءاً من معادلة الحرب، سواء من خلال انطلاق عمليات عسكرية من أراضيها أو من خلال تعرضها لتداعيات التصعيد المتبادل.

ومن هنا تبدو الجولة الإقليمية المرتقبة بمثابة محاولة إيرانية لتحويل اتفاق إنهاء الحرب إلى نقطة انطلاق لإعادة ترتيب العلاقات داخل المنطقة. فطهران تدرك أن ما قبل الحرب ليس كما بعدها، وأن التوازنات التي تشكلت خلال الأشهر الماضية ستفرض واقعاً سياسياً وأمنياً جديداً على الجميع. ولذلك فإنها تسعى إلى تقديم نفسها ليس فقط كطرف خرج من الحرب صامداً، بل أيضاً كفاعل إقليمي يشارك في رسم معالم المرحلة التالية.

وتكتسب هذه المقاربة أهمية إضافية مع تأكيد الخارجية الإيرانية أن إنهاء الأعمال العسكرية في جميع الجبهات، بما فيها الساحة اللبنانية، يمثل جزءاً أساسياً وغير قابل للتغيير في مذكرة التفاهم. وهذه النقطة تكشف أن الاتفاق يتجاوز إطار العلاقة الثنائية بين واشنطن وطهران ليقترب من معالجة شبكة واسعة من الأزمات المترابطة التي فجرتها الحرب.

فإدراج لبنان ضمن التفاهمات لا يعكس مجرد رغبة في منع تجدد المواجهة هناك، بل يعبر عن إدراك متزايد لدى مختلف الأطراف بأن أزمات الشرق الأوسط لم تعد ملفات منفصلة يمكن التعامل معها كل على حدة. فما يحدث في الخليج يترك أثره على المشرق، وما يجري في لبنان ينعكس على أمن المنطقة بأسرها. ومن هذا المنطلق يبدو الاتفاق أقرب إلى محاولة لإعادة ضبط التوازنات الإقليمية منه إلى مجرد وقف لإطلاق النار.

لكن القراءة الأعمق لما جرى لا تتعلق فقط بما حصلت عليه إيران، بل بما لم يتمكن خصومها من تحقيقه. فالحروب تُقاس في النهاية بمقدار الفجوة بين الأهداف المعلنة والنتائج الفعلية. وإذا كان الهدف يتمثل في دفع إيران إلى التراجع الاستراتيجي أو إخراجها من معادلات النفوذ الإقليمي، فإن مخرجات الاتفاق تشير إلى نتيجة مختلفة تماماً. فطهران لم تخرج من الحرب قوة منتصرة بالمعنى العسكري التقليدي، لكنها أيضاً لم تخرج دولة مكسورة أو معزولة أو فاقدة للقدرة على التأثير.

لقد انتهت الحرب لأن تكلفة استمرارها أصبحت أعلى من المكاسب المرجوة منها. غير أن ما تكشفه التسوية الحالية هو أن كلفة كسر إيران كانت بدورها أعلى من قدرة خصومها على تحملها. وعندما تصل القوى الكبرى إلى هذه القناعة، فإنها تعود إلى السياسة بعدما تكتشف حدود القوة.

ولهذا قد لا يكون السؤال الأهم اليوم هو من انتصر ومن انهزم، بل أي شرق أوسط سيولد من رحم هذه التسوية. فبينما تستعد طهران لتوقيع الاتفاق بعد جولة على عواصم الجوار، تبدو الرسالة التي تريد إيصالها واضحة: الحرب انتهت، لكن مرحلة جديدة بدأت. مرحلة تسعى فيها إيران إلى تثبيت موقعها ليس فقط كطرف صمد في مواجهة ضغوط غير مسبوقة، بل كأحد اللاعبين الرئيسيين في صياغة التوازنات التي ستشكل المنطقة خلال السنوات المقبلة.

أخر الأخبار