دولي >

تشييع جثمان قائد الثورة الإيرانية... رسالة صمود واستمرارية بعد الاغتيالات والحرب

تشييع جثمان قائد الثورة الإيرانية... رسالة صمود واستمرارية بعد الاغتيالات والحرب


لا تشبه جنازات القادة الكبار في الشرق الأوسط غيرها من المراسم الجنائزية، فهي غالباً ما تتجاوز لحظة الوداع لتتحول إلى مناسبة سياسية بامتياز. وهذا ما ينطبق على مراسم تشييع قائد الثورة الإيرانية، آية الله علي خامنئي، التي تنطلق بعد أكثر من أربعة أشهر على اغتياله، في مشهد لا تقتصر دلالاته على الحزن الشعبي، بل يحمل رسائل سياسية واستراتيجية إلى الداخل والخارج في آن واحد.

فبعد مرور 126 يوماً على عملية الاغتيال التي استهدفت خامنئي خلال الحرب الأخيرة، تجد إيران نفسها أمام أول اختبار سياسي وشعبي كبير في مرحلة ما بعد الحرب. لذلك لا تنظر طهران إلى مراسم التشييع باعتبارها مجرد واجب ديني أو بروتوكولي، وإنما كفرصة لإيصال صورة محددة عن الدولة الإيرانية بعد واحدة من أصعب المواجهات العسكرية في تاريخها الحديث.

فالحرب لم تكن تستهدف مواقع عسكرية فحسب، بل أصابت قلب المؤسسة القيادية الإيرانية، بعدما أودت عملية الاغتيال بحياة الرجل الذي قاد البلاد لعقود. ومن منظور القانون الدولي، يثير استهداف أعلى مسؤول في دولة ذات سيادة أسئلة قانونية وسياسية معقدة بشأن مشروعية الاغتيالات في النزاعات المسلحة، وهو نقاش ما يزال مفتوحاً داخل الأوساط القانونية والدبلوماسية.

لكن ما يلفت الانتباه اليوم ليس فقط مراسم التشييع، بل التوقيت الذي تُقام فيه. فقد جاءت بعد تثبيت وقف إطلاق النار، وفي وقت تسعى فيه إيران إلى الانتقال من إدارة الحرب إلى إدارة مرحلة ما بعدها. ومن هنا تبدو الجنازة أقرب إلى إعلان سياسي منها إلى مناسبة عزاء.

في الثقافة السياسية الإيرانية، لا يُقاس النصر دائماً بحجم الأراضي التي يتم السيطرة عليها أو بعدد الأهداف التي تُدمَّر، بل بقدرة الدولة على الصمود والحفاظ على تماسكها ومنع خصومها من تحقيق أهدافهم. وإذا كان الهدف من الحرب هو إسقاط الدولة أو شل مؤسساتها أو دفعها إلى الانهيار، فإن بقاء هذه المؤسسات واستمرارها في أداء وظائفها يُعد، وفق الرؤية الإيرانية، دليلاً على أن تلك الأهداف لم تتحقق.

لهذا السبب، تحرص طهران على أن تكون مراسم التشييع واسعة ومهيبة، ليس فقط تكريماً لقائد الثورة، وإنما لإظهار أن الدولة ما زالت تمسك بزمام الأمور، وأن مؤسساتها تعمل بصورة طبيعية، وأن انتقال المسؤوليات تم دون اضطراب، رغم حجم الضربة التي تعرضت لها.

كما تحمل هذه المراسم رسالة أخرى لا تقل أهمية، مفادها أن الدول لا تتوقف عند الأشخاص، مهما كانت مكانتهم. فاغتيال قائد بحجم علي خامنئي، بما يمثله من رمزية دينية وسياسية، لم يؤدِ إلى فراغ في مؤسسات الدولة، ولم ينعكس، وفق الرواية الإيرانية، على قدرتها في إدارة شؤونها أو الحفاظ على توازنها الداخلي.

ولعل الرسالة الأبرز تتجه إلى الخارج، وتحديداً إلى الولايات المتحدة وإسرائيل. فالمشهد الذي تعمل إيران على رسمه هو أن الحرب انتهت، لكن الدولة بقيت، وأن الضربات التي استهدفت قيادتها لم تنجح في كسر إرادتها أو إضعاف مؤسساتها. لذلك تبدو الحشود المنتظرة، والشعارات، والرمزية الدينية المصاحبة للمراسم، جزءاً من خطاب سياسي يراد له أن يقول إن إيران خرجت من الحرب أكثر تمسكاً بخياراتها، وأن قدرتها على إعادة تنظيم مؤسساتها واستمرارها في العمل تمثل، من وجهة نظرها، دليلاً على أن مشروع إضعافها لم يحقق غايته.

وفي المحصلة، لن تُقرأ جنازة علي خامنئي في طهران باعتبارها حدثاً داخلياً فحسب، بل ستكون أحد أبرز مشاهد ما بعد الحرب. فبين مراسم التشييع والخطاب السياسي، تحاول إيران تثبيت روايتها الخاصة: دولة تعرضت لضربة قاسية، لكنها لم تنهَر، وفقدت قائدها، لكنها لم تفقد قدرتها على الاستمرار.

محمد.م

أخر الأخبار