لم يعد الجدل حول العلاقات المغربية الإسرائيلية يقتصر على الاتفاقيات الدبلوماسية أو صفقات التسلح التي أعقبت استئناف العلاقات بين المخزن وتل أبيب نهاية عام 2020، بل انتقل إلى مستوى أكثر حساسية يرتبط بشكل مباشر بالحرب الدائرة في قطاع غزة. فمع كل سفينة محملة بالاسلحة او بمواد موجهة إلى الصناعات العسكرية الإسرائيلية ترسو في موانىء المغرب، تتجدد الأسئلة حول طبيعة الدور الذي بات يؤديه المخزن داخل شبكة التعاون اللوجستي والعسكري المرتبطة بإسرائيل، في وقت تواجه فيه الأخيرة اتهامات دولية بارتكاب جرائم حرب وانتهاكات جسيمة بحق المدنيين الفلسطينيين.
وفي هذا السياق، كشفت حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها "BDS المغرب" عن استقبال ميناء طنجة المتوسط لسفينة "أنجيليكا ميرسك"، التي تقوم بنقل حاويتين من الفولاذ العسكري نحو ميناء حيفا لفائدة شركة إسرائيلية متخصصة في الصناعات العسكرية. ووفق المعطيات التي قدمتها الحركة، فإن هذه العمليات لم تعد أحداثاً معزولة، بل أصبحت جزءاً من مسار متكرر جعل من ميناء طنجة محطة أساسية في حركة الشحن المرتبطة بالمجمع الصناعي العسكري الإسرائيلي في البحر الأبيض المتوسط.
وتأتي هذه التطورات في ظرف دولي استثنائي، إذ تتواصل الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، رغم القرار وقف لاطلاق النار، وسط انتقادات متصاعدة من منظمات حقوقية وهيئات أممية تتهم الجيش الإسرائيلي بارتكاب انتهاكات خطيرة ضد المدنيين. كما زادت مذكرات التوقيف الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت من حدة الضغوط السياسية والقانونية المفروضة على الكيان الصهيوني، ما جعل أي شكل من أشكال التعاون العسكري أو اللوجستي معها محل تدقيق ومساءلة على المستوى الدولي.
وبعيداً عن الجانب التقني المرتبط بحركة الملاحة البحرية، يرى مراقبون أن استمرار استقبال شحنات مرتبطة بالصناعات العسكرية الإسرائيلية يمنح هذه القضية أبعاداً سياسية تتجاوز الحسابات التجارية التقليدية. فحين يتعلق الأمر بمواد تدخل ضمن سلاسل التوريد الخاصة بالصناعات الحربية الإسرائيلية، فإن المسألة ترتبط بصورة مباشرة بالمجهود العسكري لكيان يخوض حرباً مفتوحة ضد المدنيين في قطاع غزة، وهو ما يفسر تصاعد الجدل داخل المغرب بشأن طبيعة هذا الدور وحدوده.
ولا يمكن فصل هذا الجدل عن التطور اللافت الذي شهدته العلاقات العسكرية المغربية الإسرائيلية خلال السنوات الأخيرة. فمنذ توقيع مذكرة التفاهم العسكرية بين الجانبين سنة 2021، توسع التعاون الأمني والعسكري بشكل غير مسبوق، وشمل مجالات الاستخبارات والدفاع الجوي والطائرات المسيّرة والتكنولوجيا العسكرية المتقدمة. كما تحولت إسرائيل إلى أحد أبرز موردي السلاح للمخزن، في مؤشر واضح على انتقال العلاقات الثنائية من مستوى التنسيق السياسي إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية.
غير أن ما يلفت الانتباه اليوم ليس وجود هذه الشراكة في حد ذاتها، بل توقيتها وسياقها. فاستمرار التعاون العسكري واللوجستي مع إسرائيل في ظل حرب الإبادة على غزة يمنح خصوم التطبيع مادة إضافية للتشكيك في الخطاب الرسمي المغربي الداعم للحقوق الفلسطينية، خاصة مع تزايد الأصوات التي ترى أن توفير التسهيلات المرتبطة بسلاسل الإمداد العسكرية الإسرائيلية يتناقض مع المواقف المعلنة تجاه القضية الفلسطينية.
وقد انعكس هذا التناقض في الشارع المغربي من خلال موجات متلاحقة من الاحتجاجات والمسيرات الشعبية التي شهدتها مختلف المدن المغربية منذ اندلاع الحرب، حيث رفع المشاركون شعارات تطالب بوقف التطبيع وإلغاء الاتفاقيات الموقعة مع إسرائيل، كما عبروا عن رفضهم لتحويل الموانئ المغربية إلى نقاط عبور لشحنات مرتبطة بالمجهود الحربي الإسرائيلي.
م.م.