على هامش الزيارة الرسمية التي يقوم بها رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون إلى جمهورية ألمانيا الاتحادية، برز البعد الاقتصادي كأحد المحاور الأساسية في تعزيز العلاقات الثنائية بين الجزائر وبرلين، من خلال مشاركة مجلس التجديد الاقتصادي الجزائري (CREA)، برئاسة السيد كمال مولى، بوفد اقتصادي هام ضم 120 رئيس مؤسسة جزائرية، بهدف دفع التعاون نحو مرحلة جديدة تقوم على الاستثمار المنتج والشراكات الصناعية ونقل التكنولوجيا.
وتعكس هذه المشاركة الواسعة للقطاع الخاص الجزائري، من خلال المجلس، توجهاً جديداً في مقاربة التعاون الاقتصادي مع ألمانيا، يقوم على الانتقال من منطق المبادلات التجارية التقليدية إلى بناء شراكات استراتيجية طويلة المدى، ترتكز على الإنتاج المشترك، وتطوير القدرات الصناعية، والاندماج في سلاسل القيمة العالمية.
منذ تأسيسه، عمل مجلس التجديد الاقتصادي الجزائري على تعزيز موقع المؤسسة الخاصة في المشهد الاقتصادي الوطني، والدفاع عن ضرورة بناء اقتصاد منتج قائم على الاستثمار، الابتكار، وتطوير النسيج الصناعي.
وقد عزز المجلس خلال السنوات الأخيرة دوره كإطار يجمع المتعاملين الاقتصاديين ويمثل انشغالاتهم، مع التركيز على تحسين مناخ الأعمال، تشجيع المبادرة الاقتصادية، وفتح قنوات جديدة للتعاون مع الشركاء الدوليين.
وفي هذا السياق، تأتي مشاركة مجلس التجديد الاقتصادي في المنتدى الاقتصادي الجزائري–الألماني كترجمة عملية لدور القطاع الخاص في مرافقة الديناميكية الجديدة للعلاقات الاقتصادية الخارجية للجزائر، عبر ربط المؤسسات الجزائرية بنظيراتها الألمانية وبحث فرص إقامة مشاريع ذات قيمة مضافة.
كما شكل حضور 120 رئيس مؤسسة جزائرية في المنتدى الاقتصادي الجزائري–الألماني رسالة واضحة حول رغبة المتعاملين الاقتصاديين في الانتقال إلى مرحلة أكثر تقدماً من التعاون، تقوم على الشراكة والتكامل وليس فقط على التبادل.
ويمثل هذا الوفد مختلف القطاعات الاقتصادية، حيث حمل معه تطلعات المؤسسات الجزائرية للاستفادة من الخبرة الصناعية والتكنولوجية الألمانية، وفي المقابل تقديم فرص الاستثمار التي توفرها الجزائر بفضل إمكانياتها الاقتصادية، مواردها الطبيعية، وكفاءاتها البشرية.
30 اتفاقية تفتح الطريق أمام شراكات استراتيجية
وتوجت أشغال المنتدى بالتوقيع على 30 اتفاقية تعاون وشراكة بين مؤسسات جزائرية وألمانية، شملت قطاعات استراتيجية ذات أهمية كبيرة بالنسبة لمستقبل الاقتصادين، على غرار الطاقة والطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر، الصناعة الصيدلانية، صناعة السيارات ومكوناتها، الصناعات الغذائية والزراعة، إضافة إلى الرقمنة والبحث والتطوير والتكوين.
وتكتسي هذه الاتفاقيات أهمية خاصة كونها تركز على قطاعات ترتبط مباشرة بأولويات التنمية الاقتصادية، سواء من خلال تعزيز الأمن الطاقوي، دعم الأمن الصحي، تطوير الإنتاج الصناعي أو بناء قدرات تكنولوجية جديدة.
وتؤكد مخرجات المنتدى أن الجزائر وألمانيا تتجهان نحو إعادة صياغة طبيعة التعاون الاقتصادي بينهما، عبر نموذج جديد يجعل من الاستثمار ونقل المعرفة والتكنولوجيا محوراً أساسياً للعلاقة الثنائية.
فالجزائر تراهن على شراكات تمكنها من تطوير صناعاتها ورفع تنافسية مؤسساتها، في حين تنظر الشركات الألمانية إلى السوق الجزائرية باعتبارها فضاءً يحمل فرصاً مهمة، بالنظر إلى موقعها الاستراتيجي كبوابة نحو القارة الإفريقية، إضافة إلى إمكانياتها في مجالات الطاقة والموارد الطبيعية.
التحدي المقبل: تحويل الاتفاقيات إلى مشاريع ملموسة
ورغم أهمية الاتفاقيات الموقعة في برلين، يبقى التحدي الأساسي في المرحلة المقبلة مرتبطاً بمدى القدرة على تحويل هذه الالتزامات إلى مشاريع استثمارية فعلية على أرض الواقع.
وفي هذا المسار، يبرز دور مجلس التجديد الاقتصادي في مرافقة المؤسسات الاقتصادية الجزائرية والألمانية، وتسهيل التواصل بينها، والعمل على ضمان انتقال الشراكات من مرحلة التوقيع إلى مرحلة الإنجاز والإنتاج.
وبذلك، يشكل المنتدى الاقتصادي الجزائري–الألماني محطة جديدة في مسار تطور دور القطاع الخاص الجزائري، الذي أصبح يطمح إلى لعب دور أكبر في بناء علاقات اقتصادية دولية قائمة على الإنتاج، التكنولوجيا وخلق القيمة المضافة، بما ينسجم مع التحولات الاقتصادية التي تشهدها الجزائر.